صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

3318

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

مذموما استدركه إن أمكن ، وانتهى عن مثله في المستقبل « 1 » . أهمية محاسبة النفس : قال الغزاليّ - رحمه اللّه - : اعلم أنّ مطالب المتعاملين في التّجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الرّبح ، وكما أنّ التّاجر يستعين بشريكه فيسلّم إليه المال حتّى يتّجر ثمّ يحاسبه ، فكذلك العقل هو التّاجر في طريق الآخرة وإنّما مطلبه وربحه تزكية النّفس لأنّ بذلك فلاحها ، قال اللّه تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( الشمس / 9 - 10 ) وإنّما فلاحها بالأعمال الصّالحة . والعقل يستعين بالنّفس في هذه التّجارة إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكّيها كما يستعين التّاجر بشريكه وغلامه الّذي يتّجر في ماله ، وكما أنّ الشّريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الرّبح فيحتاج إلى أن يشارطه أوّلا ويراقبه ثانيا ، ويحاسبه ثالثا ، ويعاقبه أو يعاتبه رابعا ؛ العقل يحتاج إلى مشارطة النّفس أوّلا فيوظّف عليها الوظائف ، ويشرط عليها الشّروط ، ويرشدها إلى طريق الفلاح ، ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطّرق ، ثمّ لا يغفل عن مراقبتها لحظة ، فإنّه لو أهملها لم ير منها إلّا الخيانة وتضييع رأس المال ، كالعبد الخائن إذا خلا له الجوّ وانفرد بالمال . ثمّ بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ، ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها ، فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى ، وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشّهداء ، فتدقيق الحساب في هذا مع النّفس أهمّ كثيرا من تدقيقه في أرباح الدّنيا مع أنّها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى ، ثمّ كيفما كانت فمصيرها إلى التّصرّم والانقضاء ، ولا خير في خير لا يدوم ، بل شرّ لا يدوم خير من خير لا يدوم ، لأنّ الشّرّ الّذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى الشّرّ ، والخير الّذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما ، وقد انقضى الخير . ولذلك قيل : أشدّ الغمّ عندي في سرور * تيقّن عنه صاحبه انتقالا فحتم على ذي حزم آمن باللّه واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتّضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها ، فإنّ كلّ نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد ، فانقباض هذه الأنفاس - ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك - خسران عظيم هائل ، لا تسمح به نفس عاقل . فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصّبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النّفس كما أنّ التّاجر عند تسليم البضاعة إلى الشّريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته . فيقول للنّفس : مالي بضاعة إلّا العمر ، ومهما فني فقد فني رأس المال ، ووقع اليأس من التّجارة وطلب الرّبح ، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني

--> ( 1 ) أدب الدنيا والدين ( 342 ) .